حوار مع فيلسوف عدمي

هذا تعقيب كتبته على مقالة “الزائر ع” للمدون الرائع أحمد صقر
***
سبق وأن قيل أن فلسفة شوينهاور التشاؤمية كانت سوف تتغير كليا لو استطاع الحصول على جرعة من البروزاك ( مضاد الإكتئاب ).
أحمد صقر شاب يملك موهبة كتابة لا جدال عليها وحس في غاية الرهافة. أتمنى أن يسمح لي ببعض التعقيبات على أفكاره:
- كون معنى الحياة أو ومعنى اي شيء أخر لم ينزل علينا من السماء مغلف ومعلب وجاهز للاستعمال اليومي فهذا شيء لا يلزمك بأن ترى الوجود كئيب أو رتيب, بل العكس تماما, هذا مما يحمًلك أنت شخصيا مسؤولية خلق معنى كل شيء. المعاني اللانهائية القابلة للإلحاق على الوجود تؤكد لنا أن طبيعته غامضة ومثيرة وفي منتهى الثراء. الوجود, كما يقول عالم الجينات جون هولدن, ليس أشد غرابة مما نفترض, بل هو أشد غرابة مما نستطيع أن نفترض.
- أحمد يقول أن قيمة أي شيء هي ( وهم مصطنع ). المشكلة الاساسية هنا ليست في افتراض أن القيمة هي وهم مصطنع, بل المشكلة هي في التشبث بفكرة ( القيمة ). فكرة ( القيمة ) تحملل خللين جوهريين: الخلل الأول هو في ( الموضوعية ) والثاني في ( المبادلة ). عندما نقول ان الشيء يحمل قيمة فنحن نفترض أن هذه القيمة موضوعية, أي بالإمكان قياسها وتحديدها والإجماع عليها بشكل لا خلاف حوله, وعندما نقول أن للشيء قيمة فنحن أيضا تفترض أننا نستطيع ان نبدله ( أو نساويه ) بشيء اخر إذا كان يحمل نفس القيمة.
اقترض جدلا أن للحياة قيمة, هل هذا يعني أني استطيع ان اقيس هذه القيمة واخبرك ان حياتك قيمتها اعلى من قيمة حياة صديقك؟ وأن بإمكاتك أن تستبدل حياتك بشقة وسيارتين؟
أتفق مع أحمد أن الاشياء لا قيمة لها, لكن هذا لا يعني أن لا جدوى منها, أو أن أي ارتباط نكونه تجاهها هو ارتباط وهمي لا يختلف عن تهيؤات المرضى. الاشياء لا قيمة لها عندنا لأنها تتجاوز التقييم بالنسبة لنا وارتباطنا بها هو ارتباط ذاتي غير قابل للتعميم, ولكنه ارتباط حقيقي.
- أحمد يفرد مساحة كبيرة لفكرة الموت على سطورة, حقيقة أني لا استطيع أن أجد تعليق أفضل من هذه المقولة لمارك توين: “أنا لا أحفل بالموت, فقد كنت ميتا لملايين السنين قبل ولادتي ولم يؤلمني ذلك على الإطلاق.”
- أنا أكتب هذه الكلمات وأنا أتسائل عن مدى الجدية التي يجب أن أتعاطى بها مع نص أحمد الأدبي, النص الأدبي في النهاية حالة ذاتيه قد تعبر عن مزاج أكثر من كونها تعبر عن مبدأ. على كل حال, أنا استمتعت كثيرا بما كتبه أحمد, ويبدو أني سأكون صديقا دائما لمدونته, حتى وإن أختلفت معه في بعض طرحه.
